لقد توفت منذ عشر سنين ولكن ذكراها لا زالت في مخيلتي. كنت أعرفها منذ صغري لأنها كانت زوجة عّم امي، وكنا نزورهم ونحن أطفال صغار. اتذكر بأنها كانت تحمل المشتريات في سلات كبيرة وتضع إحدى السَّلات على رأسها والسلتين الأخريتين في يديها اليمنى واليسرى ، كانت تعرف كل أصحاب المحلات ولا يتجرأ أحد منهم أن يعطيها بطيخة ليست حمراء أو بضاعة لا تصلح للطبخ. كانت ترجع وترانا نحن البنات متجمعات نتحدث بقمصان النوم (ويمكن لم نغسل الأسنان أو نأكل الإفطار) تزجرنا وتقول ” گومن، غسلن، بدلن، عدلن،طلعن، ليش گاعدات بالبيت؟” لا زالت إحدى أخواتي تذكر هذه الكلمات وتقولها لأولادها.

لم تكن أما لأولادها فقط فقد كانت تأوي الجميع ، بيتها قد يحوي مائة شخص أو أكثر وإذا حضر الضيف تلهيه ببعض الأطعمة والفستق والخيار إلى أن تنتهي من تحضير الغداء أو العشاء أو الإفطار فلا تدع احدا يخرج من بيتها وهو جائع. لها افعال لم تتكرر في أي إنسان آخر، فقد كانت كريمة وكانت تبذل أموالها وأموال غيرها في فعل الخير، كانت لا تتوانى عن تجريح أبنائها وبناتها إذا لم يفعلوا لها ما تريده وفِي معظم الأحيان كانت هذه الأشياء التي تريدها تنحصر في نطاق مساعدة الآخرين و فعل الخير .

كانت أطباقها المعروفة من ألذ الأطباق، وتوارث البنات هذه الموهبة وإلى الآن يسيل لعاب زوجي عندما يتذكر أطباق الكباب والبامية والباذنجان وغيرها من الأطباق المعروفة عند العراقيين والتي كانت تجهزها بطريقة لا تشابه النساء الأخريات. كانت تعشق التسوق! قد تشتري مائة قطعة قماش أو أكثر فقط لتوزعها، وتدعو لي فقط لأنني وصلتها إلى السوق. ولن أذكر هنا المطاعم والحدائق والشواطئ لأن لديها قائمة بأمكنة تحب أن ترتادها. كانت تحب اللون الأحمر وذات مرة خيطت لها (للمزح فقط) جلابية حمراء اللون وإلى الآن اتذكر نظرة الإعجاب في عينيها الكبيرتين والجميلتين. أما عن الأكل فحدث ولا حرج، لا يمكن أن تأكل الرز بدون الخبز لأنها لن تشبع فلا بد من تلك القطعة الصغيرة من الخبز والتي ستكون القاضية على الإحساس بالجوع.

كنّا نضحك أنا وأخوات زوجي عندما كانت تجوع! ” يلا صبن الأكل گمت أرجف” وبالفعل كانت يداها ترتجفان وهي تحاول الأكل. وهذا ما ذكرني بها البارحة. لقد خرجت من البيت الساعة الثامنة صباحا ولم أرجع إلا الساعة العاشرة مساء وتذكرت وأنا أسوِق السيارة بأني شربت الكثير من القهوة خلال الاجتماعات وعندما كنت في المكتب، إذ بدأت يداي تثقل وأحسست بالرجفة كأنني أصبت بالبرد. وصلت بيت أخي وهم يحضرون العشاء ومثل الملهوفة ابتلعت قطعة الدجاج بلعا. لذا تذكرتها وترحمت عليها وربي يحفظ كل الأمهات لأن كل واحدة منهم هي كنز لا يفنى لنا جميعا.

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *