أدت تحديات العولمة السياسية، والاقتصادية، والتعليمية، والتكنولوجية لانتفاضة عالمية في عام 2010، بدأت بثورة الشاي من شوارع مدينة نيويورك، لتنتقل إلى الحرائق في مدينة لندن، ولتمتد للشرق الأوسط، بتغيرات في أنظمة الحكم من تونس ومصر وحتى ليبيا واليمن، وقد تتبعها سوريا قريبا. وقد ربط الكثير من المفكرين هذه الانتفاضات بتمكين الشباب، من خلال تكنولوجية شبكات التواصل الاجتماعي على الانترنت، التي خلقت بيئة لتبادل الأفكار، وتنظيم الإعتصامات، والمظاهرات، وليتفاءل البعض ليسميها بانتفاضات الربيع العربي، ويبقي السؤال لعزيزي القارئ: هل ممكن أن تتطور المجتمعات العربية بدون تطوير الإنتاجية المبدعة؟ وهل يمكن تطوير الإنتاجية المبدعة بدون تطوير التعليم؟ وما هي تحديات التعليم في وطننا العربي؟
تحديات التعليم في وطننا العربي كبيرة ومتشعبة، وأهمها فلسفتنا التعليمية التقليدية التي تعتمد على جمع المعلومة وتلقينها، وتجنب المسائلة، وتوجيه التفكير التقليدي، وتربية العمل على التواكل لا الإتقان، وسيطرة تعليم العلوم الطبيعية على العلوم الروحية. وليسمح لي عزيزي القارئ، لأقدم شخصية لنتعرف من خلالها على قوة التعليم في خلق أجيال الحياة، لا أجيال الموت، وهي السيدة هيلين كيلير. ولدت الكاتبة كيلر عام 1880، وقد أصيبت في الشهر التاسع عشر من عمرها بحمى شديدة أدت لفقدانها البصر، والسمع، والتكلم. وتعرفت في السنة السادسة من عمرها على الآنسة، آن سوليفان، التي علمتها أبجدية اللمس. وقد تحدت الآنسة كيلر عاهتها وأكملت دراستها الجامعية بتفوق. وقد نشرت قصة حياتها في عام 1902. ويبقى السؤال: ما هي الظروف التي تحول الأعمى والأصم، لبصير ومفكر كالآنسة كلير؟ وما هي فلسفة التربية المجتمعية، والتعليم المدرسي، التي تحول كامل السمع والبصر، ليفجر نفسه، ليقتل أبناء شعبه، ويحطم اقتصاد بلاده؟
التقت الآنسة كيلر بالفيلسوف الياباني شونسوكي تسورومي في نهاية الثلاثينيات، حينما كان طالبا بجامعة هارفارد، فنصحته بقولها “لقد تعلمت الكثير في الجامعة، ولكن بعدما تخرجت، كان علي أن أتناسى ما تعلمته وأبدأ من جديد.” حاول السيد تسورومي أن يتفهم معنى كلمة التناسي، فشرحها بقوله: “تصورت بأنني تعلمت حياكة جاكتة الصوف في الجامعة، وحينما تخرجت فتقت هذه الحياكة من جديد لخيوط صوفية، ثم قمت بحياكتها من جديد على قياس جسمي.” وشرح في حواره كيف أن الآنسة كيلر تناست المعلومات الجامعية الملقنة، وتفهمتها بطريقة جديدة، لتستفيد منها في دراسة تحديات مجتمعها، وإيجاد الطرق المناسبة للتعامل معها. ولو تعمقنا في حوار الفيلسوف الياباني لفهمنا بأنه لا يؤمن بتلقين المعلومة، بل يعتقد بأن على التعلم أن يركز على التدريب للبحث عن المعلومة، والاستفادة منها في التعامل مع التحديات الحياتية، وبأن المشاكل الحياتية ليست مرتبطة بحقيقة معينة ثابتة، بل هي تحديات تتغير مع الزمن، والظروف المرافقة، كما ليس هناك حلول ثابتة، بل هناك طرق متغيرة لمحاولة التعامل مع التحديات حسب الظروف وزمانها.
وقد تكون أحد تحديات تعليمنا هو تفكيرنا الأفلاطوني، باعتقادنا بأن هناك حقيقة واحدة، نحاول الوصول إليها، وإذا اكتشفنا هذه الحقيقة، تبقى كل الأفكار الأخرى خاطئة، وبعيدة عن الحقيقة التي نؤمن بها، وبأن مشاكلنا لها حلول متحجرة، وقد نحتاج للرجوع للتاريخ لإيجاد بعض هذه الحلول، وبدون المسائلة. وهنا تختلف الفلسفة اليابانية، المأخوذة من الفلسفة الصينية، عن فلسفتنا العربية الأفلاطونية، فهي لا تؤمن بأن هناك حقيقة ثابتة، بل أن المعلومات متغيرة وفي في تطور دائم، كما أن التاريخ يحتاج لدراسة متسائلة للاستفادة منه وتجنب أخطاءه. وهذه الفلسفة مهمة جدا للتناغم المجتمعي، فحينما يؤمن الجميع بأن لا أحد منا يملك الحقيقة، ولكل منا حرية الرأي، بدون أن نفرض رأينا على الآخرين، بل نحترم اختلاف الآخرين ونستفيد منه، لينتشر الاحترام، والوئام، والتناغم المجتمعي، وتتطور فلسفة عمل الفريق، وتزداد إنتاجية المجتمع، ويتطور اقتصاده. ويرجع البعض تخلف تفكيرنا، لتشبثنا الأبدي بما نعتقد بأنه الحقيقة، وكل من يخالفنا فهو حاقد، أو منافق، أو رجعي. وبذلك نوقف الحوار المنتج، مما يؤدي للتخوف المجتمعي في التعبير عن الأفكار، وتنعدم الحوارات الفكرية الديمقراطية المنتجة، وتتخلف ثقافة التطور الفكري، وتتحجر العقول، ويزداد الخلاف، لتنتهي بصراعات فكرية مفلسة وانعدام الإبداع، وانتشار الغيبة، والنميمة، والنفاق. فالإبداع يحتاج لبيئة صالحة، ينعدم فيها الاعتقاد بأن الفكرة المعينة، وأحيانا التاريخية، هي الحقيقة المطلقة، بل بأن جميع الأفكار يمكن أن تساءل، وتناقش، وتطور وبحرية. فالتحاور الفكري ينير العقول، ويطور الأفكار، ويبرز الأفكار المبدعة والمتناغمة، ويؤدي لاكتشافات واختراعات جديدة.
والتحدي الآخر في فلسفة تعليمنا هو إصرارنا على إيجاد حل متحجر للمعضلة، وليس دراسة التعامل مع تحدياتها. فحينما نعتقد بأن هناك مشكلة محددة وهناك طريقة وحيده لحلها، ستتحجر عقولنا نحو طريقة واحدة جامدة، لحل ثابت، ومطلق. ومن الممكن أن لا يكون هذا الحل واقعي، بل لا يمكن تحقيقه، فنستمر في الخلاف حوله وتضيع السنين، لتتعقد المشكلة، وتنعدم الحلول. وهنا يمكن أن نشبه ذلك بسائق سيارة يواجه صخرة كبيرة في وسط الشارع، ويعتقد بأن هناك حل فريد، وهو بأن يتواكل على الله، ويسوق بسرعة فائقة، ليصطدم بالصخرة الكبيرة، فقد يستطيع تحريكها، لاعتقاده بأن الخالق، جل شأنه، سيغير جميع القوانين الفيزيائية، لتتماشى مع تواكله. وطبعا لن تتحرك الصخرة، ولكن ستتحطم سيارته، ويصاب بجروح بليغة، وقد يستمر، برعانة، في تكرار المحاولة. ومع الأسف الكبير، بأن تاريخنا العربي مليء بمثل هذه الأمثلة التاريخية، التي أدخلتنا في مجابهات وحروب، أدت لما نحن فيه. فقد نحتاج لتطوير فن دراسة الاحتمالات، وتعلم اكتشاف طرق مبدعة للتعامل معها. ويلزم ذلك تطوير فلسفة تعليمية تنير العقول بالتساؤل المستمر، وتدريبها على التعامل مع التحديات، وذلك بعرض المعضلة وتشجيع الطلبة على الحوار لمعرفة تشابكاتها وتحدياتها، وتمرينهم على طرق البحث عن المعلومة، المساعدة في أيجاد الطرق المناسبة للتعامل معها.
ولنعرض عزيزي القارئ بعض الأمثلة التاريخية في التعامل مع التحديات، فلنتذكر بأن الحرب الباردة استمرت لعقود طويلة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، بسبب تحجر العقول في خلاف رأسمالي شيوعي. وحينما زار غورباتشوف لفرنسا، وأستعد لتأمل الديمقراطية بعقل متفتح، والتعرف على نتائجها، وراقب ما يتمتع به الشعب الفرنسي، من حرية، وتطور اجتماعي، وثراء اقتصادي، أكتشف بأن دكتاتورية البوليتاريا عقيمة. وحينما أستلم دن زيو بنج القيادة في الصين، وأكتشف تحديات بلاده الاجتماعية، والاقتصادية، وتخلفها التكنولوجي، وبداء يقارن تخلف الصين بغناء الغرب، فقال مقولته، “ليس المهم أن يكون القط أسود أو أبيض، بل المهم أن يصطاد الفئران.” ويعني بذلك أنه ليس من المهم أن يكون النظام رأسمالي أو اشتراكي، بل المهم أن يطور الاقتصاد، ويزيل الفقر والتخلف، وبذلك توجهت الصين لاقتصاديات الألفية الثالثة.
ولنطرح عزيزي القارئ معضلة أخرى في تعليمنا وهو التواكل. فيؤكد الحديث الشريف بأن علينا أن نعقل ونتوكل، ومع الأسف الشديد تحولت ثقافتنا العملية للتواكل لا التوكل. فلم نعد نهتم بالعمل الجاد المتقن، ولا نستفيد من الوقت الذي ان لم نقطعه قطعنا كالسيف. فهل خلق الخالق، جل شأنه، هذا الكون بقوانين فيزيائية دقيقة ومتقنة، أم ترك هذه القوانين فوضوية، تتغير في كل لحظة، حسب تواكلنا وصلواتنا؟ وهل الغاية من صلواتنا تطهير النفوس وتدريبها على القيم والأخلاقيات، أم لتحقيق جشعنا المادي ببناء قصور في الجنة؟ ألم يكرر الحديث الشريف مرارا أهمية العمل، وقدسية إتقانه، وأعتبره خير العبادات؟ ألم يؤكد ديننا الحنيف بأن نعمل لدنيانا كأننا سنعيش للأبد، ونعمل لأخرتنا كأننا سنموت في الغد؟
ومن تحدياتنا تعليمنا المستقبلية خلق التوازن بين العلوم الطبيعية والروحية. فتطوير اقتصادنا المستقبلي سيحتاج لتعليم متقدم في العلوم الطبيعية، كالفيزياء، والرياضيات، والكيمياء، ولكن هل سيكفي ذلك؟ أم سنحتاج أيضا لتطوير العلوم الروحية التي تعلم الإنسان السلوك السوي، للعمل كفريق متناغم ومنتج، وليتعامل مع مواطنيه، ووطنه، وموارده الطبيعية، بحكمة واتزان؟ وقد عبر التاجر الياباني، كوزو ايناموري، مؤسس شركة كيوسيرا، عن ذلك، بقله: “الفلسفة التي أؤمن بها هي أنه لن نطمئن على مستقبل البشرية إلا من خلال خلق التوازن اللازم بين تطور العلوم المادية والعلوم الروحية. وأعتقد بأنه يجب أن نخلق هذا التوازن في الإنسان بين ذكاءه الذهني، وذكاءه العاطفي، وسيطرة الإرادة. فالحضارة التي تهتم بالذكاء الذهني، وتبخس قيمة الروح، والعاطفة، والإرادة الإنسانية، هي حضارة آفلة… فمع بداية القرن الواحد والعشرين ستكون مسؤوليتنا الأساسية أن نرفع العلوم الروحية لنفس المستوى الذي وصلت إليه العلوم الطبيعية والتكنولوجية، لنستطيع التعامل مع اختراعاتها بحكمة، لنرفع من قدر أذهاننا ونشرفها.” ولنا لقاء.
سفير مملكة البحرين في اليابان

0 replies

Leave a Reply

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *